يحكي د.رفعت اسماعيل: في الكنيسة قابلنا الأب أنطونيسكو.. سألته همساً عن الفتاة فقال لي أنها لم تأت.. أقسمتُ له إننا لن نؤذيها.. فاحتد غضباً مؤكداً أنه لا يكذب
إذن أين ذهبت هذه التعسة؟.. وهل نجح الرعاة في الإمساك بها قبل أن أتمكن من.. علينا الآن أن نبحث عنها
وهنا تذكرت شيئاً فأخرجت صورة الشاب الوسيم التي كانت في حجرتها.. وقربتها من نظارة القس
هل تعرف هذا الشاب يا أبت؟ -
لم يعط القس فرصة الترجمة لجوستاف لأنه قرّب أنفه من الصورة.. وهتف: آه !.. ميخائيلسكو
ثم قال بضع كلمات أخرى.. ورسم علامة الصليب
قال جوستاف: يقول إن اسمه ميخائيلسكو
قلت: هذا واضح !.. أنا لست حماراً على كل حال
أكمل: وأنه ابن العمدة.. كان مذءوباً وهاجم ستيفانو, لكن ستيفانو أطاح بساقه بالفأس, وفي الصبح بدت قصة عن ظروف بتر رجله ملفقة وسخيفة لهذا أدركوا أنه المذءوب.. وقتلوه
وبالطبع هذا الفتى كان يحب إيكاترينا؟ -
دارت محادثة سريعة بينهما أدركت من خلالها أن الإجابة نعم
إذن هذه هي القصة..
قصة حب عنيفة بين الشابين مرهفي الحس.. ثم تفقد الفتاة حبيبها نتيجة خرافة أو قصة مغرضة صاحبها ستيفانو, لهذا تصمم أن تنتقم وتحيل لياليهم المقمرة إلى جحيم.. كأنها قالت: حسن.. تريدون مذءوباً فلكم هذا
وشرعت في كل شهر تقتل أحد الذين كانوا مسئولين عن موت حبيبها, ثم اختارت ميتة بشعة لستيفانو عن طريقي أنا
كانت تعرف أن رأسه مجروح لذلك أدركت أن اختيار ليلة أمس سيؤدي لقتله كما مات حبيبها, ولما سارت الرياح لا كما تشتهي هي.. وكاد ميلو يفقد حياته, ارتدت ثياب المذءوب وانتظرت كي تهاجم أول من يغادر الحانة.. وكنت أنا بلا فخر
سألته: ما التفسير الذي قدمه ميخائيلسكو لفقد ساقه؟
أجاب: قال لهم إنه فقد وعيه ليلاً في أثناء سيره في الغابة.. وحين أفاق لم يجد ساقه.. ووجد الجرح مربوطاً ببراعة كي لا ينزف, من ثم جر نفسه إلى داره.. وارتمى فوق فراشه مغشياً عليه حتى أيقظوه صباحاً ليتهموه بأنه مذءوب
قصة غريبة صعبة التصديق, لكن إذا تخيلنا.. بشيء من التمادي.. أن ستيفانو كان يحب إيكاترينا هو أيضاً.. يمكننا أن نكمل القصة
كان يستطيع أن يضرب الفتى أثناء سيره في الغابة, ويقطع ساقه بالفأس.. ويضمدها.. ثم يجري للقرية ليعلن قصته المزيفة عن المذءوب, وبهذا يتخلص من منافسه بطريقة نظيفة وبحكم إعدام جماعي
لكن إيكاترينا كانت هناك, وقد قررت أن تكافئ القرية بمذءوب حقيقي
*******
آخر سؤال وجهته للقس قبل أن ننهي حديثنا كان: كيف بدأت قصة المذءوب في القرية؟
نقل له جوستاف سؤالي, فهز رأسه في إرهاق.. وابتسم وشرع يتكلم
قال جوستاف: يقول إن هذا حدث منذ قرون, منذ عهود القرون الوسطى, عائلة سخاروزان الإقطاعية كانت تحكم البلاد بالحديد والنار.. لكن اللعنة أصابت نسلهم.. كان أطفالهم يولدون مذءوبين.. وكان المرض يبدأ باسوداد لون البول ومغص في بطونهم.. ثم يتحولون لمسوخ ذئاب
بول أسود ومغص؟.. مسوخ ذئاب؟.. إن هذا يذكرني بشيء ما.. نعم.. هو كذا.. صحت بـ جوستاف: إن القصة كانت هكذا.. لكن الحقيقة كانت أنهم كانوا مرضى بمرض له أسباب علمية وعلاج.. هذا المرض أسماه القدماء مرض الرجل الذئب.. أما اسمه العلمي فهو بورفيريا
هذا المرض ناجم عن اختلال تمثيل الحديد في الجسم.. من ثم تحدث أعراض عديدة منها المغص والبول الأسود, وفي حالات نادرة تستطيل الأظافر وتبرز الأنياب ويتجعد الجلد, تصير الحواجب كثيفة والشفاه مشققة والعينان حمراوين.. ثم يتجنب المريض الشمس لأنه لا يتحملها
باختصار يتحول إلى -
قاطعته وأكملت: يتحول إلى ذئب بشري!.. وبمرور الوقت تولد الأسطورة.. وتعيش في النفوس, ويستغلها بعضهم لقتل زوجته أو منافسه في الحبّ, أبداً لم يوجد على الأرض رجال ذئاب
هتف جوستاف في جزع: رائع !.. ولكن هلا اختصرت هذه المحاضرة العلمية إلى أن ننقذ الفتاة؟
يا الله !.. لقد نسيتها تماماً.. غمرتني نشوة أن أجد تفسيراً هذه المرة لهذا اللغز من ألغاز التاريخ, وللحظة ظننت أنني خليط من شيرلوك هولمز و لوي باستير.. وفاتني تماماً أن لوقت غير مناسب لهذا
فلنسرع !.. واشكر لنا الأب أنطونيسكو بشدة -
*******
عند المقابر وجدناهم
الدماء تلطخ الجليد الأبيض.. وهم جميعاً واقفون في صمت وقد نكسوا رؤوسهم
على الثلوج كانت ممددة وشعرها الأسود الجميل ينتشر حولها ملطخاً بالدم والثلج.. وفي صدرها كان نصل طويل غائصاً إلى نصفه.. نصل من الفضة.. في حين وقف قاتلوها حولها يلهثون في إعياء
لقد تأخرنا كثيراً.. كثيراً جداً
وعلى قدميها ارتمى أحد يبكي ويغسلها بدموعه, كان عاري الرأس وفي فروة رأسه جرح قطبي طويل.. لقد فقد ستيفانو حبيبته الرقيقة أمام عينيه وهو الذي فعل كل الفظائع التي فعلها لتكون له وحده.. ولكني لا أشعر بأي نوع من الرثاء له
أخذ جوستاف ينشج في صمت, وسالت دمعتان دافئتان على خدي سرعان ما تحولتا إلى ندفتين من الثلج جوار فمي
ودون كلمة أخرى تأبط جوستاف ذراعي وأخذني بعيداً عن هذا المشهد المروع
لقد انتهت أسطورة الرجل الذئب.. انتهت إلى الأبد, لكني لست فخوراً على الإطلاق بدوري فيها.. لست فخوراً على الإطلاق
والشمس تغرب فوق المقابر في سكون
*******
في مطار بوخارست صافحت جوستاف وشكرته على كل شيء, ثم إنني طلبت منه أن يكتب لي باستمرار
تحسس الجرح الذي في وجهي وهتف باسماً: إذا تحولت إلى مذءوب يوم الخميس القادم لا تنس أن تكتب لي
لم أبتسم.. وقلت في كآبة: أرجوك ألا تعود لهذا في خطابك
أوه !.. لننس الماضي -
أشعلت سيجارة.. وتأملت المسافرين المتجهين لصالة الجوازات.. وسألت: هل نشرت القصة؟
لا -
ولمه؟.. إنها مثيرة برغم كل شيء -
المكتب الثقافي في الحزب -
وتلفّت حوله في حذر ليتأكد أن أحداً لا يسمعه.. ثم أردف: قالوا إن قصتي خيالية.. و.. رجعية.. ولا تخدم أيديولوجية الحزب.. ثم إنها تتهم رعاة الجنوب بالتخلف
ربما كان هذا أفضل -
وصافحته للمرة الأخيرة.. واتجهت لصالة الجوازات, ناداني في لهفة صائحاً: حاول أن تعود لرومانيا قريباً تنتظرك أشياء رائعة في قلعة الدكتور فرانكشتاين
ابتسمت وقلت: لا مفر من ذلك !.. لكني سأتعلم اللغة الرومانية أولاً
وداعاً.. يا رفيق, تحياتي لأبي الهول -
وداعاً -
وأقلعت الطائرة