الحديث عن هذه النقطة يحتاج إلى مجلد كبير، لكننا سنلقي بعض الضوء عليها :
إلتفت الشهيد بعد فصله من الجامعة وإغلاق أبواب الجهاد على أرض فلسطين عله يجد أرضا يؤدي عليها عبادة القتال ، فرأى نوراً لمع فوق أرض أفغانستان ، فقال: لعل الإنفراج يكون من هناك.
وكان للقاء الذي تم بينه وبين الشيخ كمال السنانيري رحمه الله - الذي زار أرض الجهاد- عند المسعى في الحرم أثر كبير في تصميم الشهيد وعزمه أن يحمل أمتعته ويتوجه إلى أفغانستان.
ارتحل الشهيد وعمل فترة وجيزة في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، ليكون قريبا من الجهاد الأفغاني ، وبدأ يتصل بأمراء الجهاد ، وتوثقت صلاته بهم.
وكان الشهيد قد جمع محاضراته في ثلاثة أيام في الأسبوع لينصرف بقية الأسبوع للجهاد ، ولما وجد أن هذه الأيام لاتكفي لأمور الجهاد عاد فحصر محاضراته -في الجامعة- في يومين، ولما وجد أن عمله في الجامعة يعرقل سير جهاده استقال من الجامعة وتفرغ نهائيا للجهاد.
لقد تحول الشهيد بحق إلى قلب الجهاد على أرض أفغانستان وعقله المفكر ، فهو الذي عرف بهذا الجهاد في العالم ، وهو الذي نقله نقلة بعيدة من جهاد إقليمي محلي إلى جهاد إسلامي عالمي ، حتى أضحى الجهاد وأخباره حديث السامر والناس في كل مكان .
وكان الشهيد ترسا لهذا الجهاد ، يدفع عنه مؤامرات الأعداء وكيد الألداء الخصام ، وتحول فكر الشهيد إلى مدرسة جهادية عملية أقضت مضاجع الظالمين والكافرين في أرجاء الأرض ، وتحول بفضل الله أولا ثم
بمشاركته عمليا في المعارك داخل أفغانستان إلى شخصية جهادية عالمية لا تبارى ، بعد أن سرى حب الجهاد في دمائه وعروقه ، وتغلغل في روحه ، وصقلت نفسيته ، ونضج واستوى على سوقه ، حتى وصل به الأمر أن يصرح قبل استشهاده : " إنني أشعر بأن عمري الآن تسع سنوات، سبع سنوات ونصف في الجهاد الأفغاني، وسنة ونصف في الجهاد في فلسطين، وبقية عمري ليس له قيمة عندي ".
فعاليات امام الجهاد في الجهاد الافغاني
أولا: تأسيس مكتب خدمات المجاهدين:
أرسى قواعده إمام الجهاد الشهيد الشيخ عبدالله عزام سنة 1984م ، عندما رأى الضرورة ملحة لدعم ومساندة الجهاد في أفغانستان ثم تفرغ للجهاد نهائيا .
1- مفهوم مكتب الخدمات : -
لابد أولا أن نحدد معنى مكتب الخدمات قبل أن نبدأ الحديث عن الهدف الذي أنشأ من أجله ، فقد يظن بعض السذج أن مكتب الخدمات ; هو مجموعة الحجرات المكونة من أربعة غرف من الحجارة والطين، يقبع فيها عدد من الشيوخ لتكون زاوية أو تكية لهم ، كالزوايا التي يلجأ إليها العاطلون عن العمل . والواقع أن هذا وهم خاطئ ، فمكتب الخدمات كما رسم وخطط له الإمام الشهيد عزام لمعنى أسمى . وقد يظن البعض أن مكتب الخدمات هو على غرار الهيئات الإغاثية المنتشرة هنا وهناك لجمع التبرعات لصالح المهاجرين الذين هربوا من جحيم الشيوعية ونارها ، فهذا كما يقول إمام الجهاد نتركه للهيئات الأخرى التي تخصصت لهذا العمل .
إذا فمكتب الخدمات لا هذا ولا ذاك ، وإنما كما حدد معناه الشهيد عزام ورسم له عمل داخل أفغانستان وإعلام في الخارج ، فإذا حذف هذان الأمران لا يبقى شيء اسمه مكتب الخدمات .
ويبدو لي أن مكتب الخدمات أصبح شخصية اعتبارية ، إذا ذكر اسمه انصرف فورا إلى ذهن السامع اسم الشهيد عزام ، وإذا ذكر اسم الإمام الشهيد عزام قفز إلى ذهن السامع فورا مكتب الخدمات ، وبناء على ذلك فإن الأعداء الذين أرادوا النيل من هذا الجهاد العظيم خططوا لاغتيال الشهيد عزام الذي كان يعتبر الجسر الواصل بين العالم الإسلامي والجهاد في أفغانستان ، فقد كان كالجسر المتحرك بين الجهاد الأفغاني وبين العالم الإسلامي .
2- الهدف من تأسيس المكتب :-
ونحن إذا أردنا أن نقف على الأهداف الرئيسية التي من أجلها أنشأ الإمام الشهيد عزام مكتب الخدمات يمكن أن نجملها فيما يلي:
الهدف الأول : توحيد المجاهدين العرب وصهرهم في بوتقة عقيدة الجهاد على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم .
منذ اليوم الأول وقف إمام الجهاد على ذروة سنام الإسلام ، ونظر نظرة فاحصة إلى ساحة الجهاد ، فوجد الشباب العربي المجاهد الوافد إلى ساحة الجهاد من تيارات وتوجهات مختلفة ، فرأى أنه لابد من العمل على توحيدهم وجمعهم تحت سقف واحد يستظلون تحت رايته ، ويكون الإمام الشهيد كرمز لهذا التجمع الذي يلتفون من حوله .
وفكر أيضا في مستقبل هذا الجهاد وقد رأى بنور البصيرة أن الأمة الإسلامية ستتلاحم وتتفاعل مع هذا الجهاد ، وأن طلائع الشباب المسلم الذين سيفدون إلى أرض الجهاد فرادى وجماعات سينزلون ضيوفا عند التنظيمات الجهادية الأفغانية ، وبالتالي فإن هؤلاء سيحسبون في المستقبل - كل واحد منهم - على التنظيم الذي نزلوا ضيوفا عليه ، مما يسبب ذلك أثرا سلبيا على الجهاد الأفغاني ، فبدلا من أن يكونوا عنصر وحدة وتجميع للجهاد سيكونون عنصر تثبيط وتخذيل وتفريق ، فكان تأسيس مكتب الخدمات ، حيث أنشأ تحت هذا الاسم بيوتا للضيافة لاستقبال الإخوة العرب الذين يفدون إلى أرض الجهاد ، منها ضيافة بيت الشهداء الذي أطلق عليه أخيرا ضيافة الشهيد عبد الله عزام . كما أنشأ ضيافة أخرى تستقبل الإخوة المتزوجين مع عائلاتهم .
الهدف الثاني : ليكون حلقة الوصل بين العالم الإسلامي والجهاد الافغاني .
إن ما فعله الإمام الشهيد عزام من تأسيسه لمكتب الخدمات إنما هو بمثابة بناء جسور بين العالم الإسلامي والجهاد الأفغاني ، فعن طريقه تصل المساعدات والأموال ، وعن طريقه تكون الإمدادات وقوافل الترحيل للمجاهدين داخل أفغانستان وإمدادهم بالمال والسلاح حتى لا يخبو أوار المعركة ولهيبها، وحتى تبقى معنويات المجاهدين مرتفعة ، ولا يستطيع بشر أن ينكر الدور الحقيقي الذي قام به مكتب الخدمات في حياة إمام الجهاد الشهيد عبدالله عزام من استقطاب معظم المجاهدين العرب القادمين لأفغانستان ، ومن تلقي الأموال والمساعدات التي كانت ترد إلى المجاهدين ، كما لا ينكر دور المكتب ونشاطاته الكثيرة داخل أفغانستان على وجه الخصوص وخارجها ، وإن بصمات إمام الجهاد في جميع أنحاء أفغانستان بادية للعيان، سواء كانت عسكرية أو تعليمية أو إعلامية أو اجتماعية أو صحية .
الهدف الثالث : ليكون صوت الحق الناطق باسم الجهاد في العالم .
ولهذا كان إمام الجهاد يرى أن الإعلام أمر مهم وضروري لنقل صوت الجهاد والمجاهدين إلى العالم العربي والإسلامي حتى ينتشر هذا النور في الأرض، ولأهمية الإعلام فقد أنشأ الشهيد عزام مجلة الجهاد تصدر غرة كل شهر، كما اقترح عليه الأخ أبو عادل تأسيس نشرة أسبوعية باسم لهيب المعركة تنقل أخبار المعارك وانتصارات المجاهدين أسبوعيا أولا بأول .
وبالفعل استجاب الشهيد عزام لهذه الفكرة واستحسنها وبدأ يتصدر الكتابة فيها ، فكان -رحمه الله - يكتب افتتاحية اللهيب والجهاد في معظم الأحيان وهو في داخل الجبهة حيث تصل كلماته ساخنة إلى اللهيب وتنقل فورا عبر لهيب المعركة بحرارتها لتتفاعل مع قلوب المسلمين في الأرض ، وبالفعل تفاعل المسلمون مع كلماته وهو ينقل انتصارات المجاهدين ضد الشيوعيين ، وبدأ المسلمون في الأرض يرفعون رؤوسهم عاليا في كل مكان وهم يتابعون أخبار الجهاد والأمل العريض يراودهم ويحدوهم .
وبدأ الشباب المسلم يتوافدون إلى أرض الجهاد، فكان لنداءات الشهيد عزام الحارة صداها العميق في النفوس، وجاء الشباب المسلم من مختلف العالم الإسلامي للجهاد والإستشهاد، وعادت الأمة الإسلامية بعد أن تمزق جسدها وتقطعت أوصالها بعد تمزيق الخلافة مرة أخرى كالجسد الواحد إذا تألم منه عضو من الأعضاء وضرب من قبل الأعداء يتألم بقية الجسد، وتمثل فيها حديث رسول الله (ص) :
" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ". صدق رسول الله (ص)
وهكذا أصبحت قضية أفغانستان أكبر عقبة تواجه الشرق والغرب بعد الهزيمة المريرة التي ذاقتها روسيا على أيدي المجاهدين ، حتى أن أمريكا صارحت روسيا بذلك فقالت لها : أنت أثرت العالم الإسلامي علينا فأيقظت المسلمين وأصبحوا يتعاطفون مع هذه القضية .
إن الذي أقض مضاجع الكفر وهز أوصال اليهودية العالمية هو عودة عقيدة الجهاد فكرا وسلوكا وعملا في واقع الأرض لدى المسلمين وهم يرون أن الجهاد أصبح هو المحرك لهذه الأمة ، إذن لابد من فصل هذا الجهاد عن جسم الأمة الإسلامية ، حتى إذا ابتلع الجهاد الأفغاني لا يتألم له العالم الإسلامي ولا يحسون بذبحه .
والكل يدرك ما بذله إمام الجهاد في نقل الأخبار العسكرية للمجاهدين للمسلمين في الأرض ، ثم الدور الحقيقي والفعلي الذي قام به حقا في نقل صورة الجهاد للعالم الإسلامي وللمسلمين في الأرض.
الهدف الرابع : دفع الشباب العربي المجاهد إلى ميادين القتال داخل أفغانستان .
لقد جمع الإمام الشهيد عزام بصرخته المدوية مئات من الشباب المسلم الوافد من كل مكان ، وبدأ ينظمهم ويعبئهم ماديا ومعنويا ، ويوجههم إلى داخل الجبهات ، لخوض أشرس المعارك ضد الشيوعيين ، ووقوفهم بجوار إخوانهم المجاهدين الأفغان .
لقد كان أثر الإمام الشهيد واضحا وملموسا في دفع الشباب العربي المسلم وتحميسهم للمشاركة عمليا داخل الجبهات ، ولا تزال معسكرات التدريب التي أسسها داخل أفغانستان للمجاهدين العرب تشهد له .
إن وقوف المجاهدين العرب بجوار إخوانهم في العقيدة (المجاهدون الأفغان) كان له أثر في المشاركة فعليا في المعارك لرفع معنويات المجاهدين الأفغان ، فعندما يحس المجاهد الأفغاني أن بجواره مجاهدا عربيا ترك وظيفته أو جامعته أو شركته وجاء إلى أرض أفغانستان ; فإن هذا يدفع الأفغاني إلى الثبات في موقعه وعدم تركه ، ولو دفع له خارج أفغانستان قناطير مقنطرة من الذهب والفضة .
وأخيرا فقد سطر التاريخ بمداد من نور المعارك التي خاضها المجاهدون العرب والأفغان في ميادين النزال على أبواب كابل وجلال آباد وخوست وشمال أفغانستان وغيرها من مناطق أفغانستان ، وامتزج الدم المسلم الواحد على تراب أفغانستان ليعلن للعالم أجمع وحدة هذه الأمة وانهيار الحواجز الإقليمية والجغرافية التي اصطنعها الأعداء لتمزيق هذه الأمة ، وأنه لا سبيل إلا بهدمها حتى تعود الأمة الواحدة تحت قيادة إسلامية واحدة.
ثانياً : تحويل الجهاد الأفغاني إلى جهاد إسلامي عالمي:
ابتدأ الجهاد الأفغاني بين الحركة الإسلامية الأفغانية والشيوعيين الأفغان سنة 1975م، وخافت روسيا على ربائبها وأصنامها ، فتدخلت بأساطيلها البرية والجوية لتمكن لعملائها الشيوعيين داخل أفغانستان .
ثم ساق الله عز وجل الإمام الشهيد عزام إلى ساحة الجهاد فى أفغانستان ليكون أحد أبطال هذه المرحلة في التصدي للزحف الأحمر ، وتصد ر لنقل أخبار الجهاد وانتصارات المجاهدين ، ولقد سجل التاريخ عنه أنه قال: ( والله لن يسقط هذا الجهاد وأنا حي ، سأثير العالم الإسلامي كله لأجل الجهاد الأفغاني )، وكان من فضل الله تعالى فعلا داعية بمعنى الكلمة لهذا الجهاد في أرجاء العالم العربي والإسلامي ، بل في أطراف المعمورة ، وكان لسانه الناطق وعقله المفكر، وقلبه النابض .
آمن بأن الجهاد طريقا لخلاص هذه الأمة من الذل والهوان ، فكان يدعو إلى هذه الفكرة بلسانه وسنانه ، بالخطابة والكتابة والمحاضرة أولا ، بل حتى الحديث العادي كان يحث على الجهاد في جلساته، والذي جعله يؤثر في الناس ويكون قدوة للآخرين أنه لم يكتف بالخطابة والكتابة عن الجهاد ، بل حمل السلاح وجاهد بنفسه في سبيل الله ، فكان يسهر حتى ينام الناس ، ويتعب حتى يستريح غيره من المسلمين ، فحمل على عاتقه عبئا ثقيلا ، وما من عبادة أشق على النفس مثل عبادة الجهاد (القتال في سبيل الله).
ثالثا : كان كالترس للجهاد الأفغاني :
لقد كان قلب الشهيد عزام يحترق وكبده يتفتت من الواقع الأليم الذي تحياه أمة الإسلام في كل مكان قبل فتح باب الجهاد على أرض افغانستان ، كان يتمزق أسى من المصائب التي تصب فوق رؤوس المسلمين وفي ديار المسلمين ، إلى أن أذن الله عز وجل بفتح باب الجهاد وعودة الفريضة الغائبة إلى واقع الارض عبر البوابة الشرقية للعالم الاسلامي في افغانستان المسلمة .
واقتضت حكمة الله تعالى أن تكون تجربة أفغانستان مثلا للأمة الإسلامية بأنه يمكن أن يعود لها مجدها من جديد إن هي عادت إلى ربها وسلكت طريق رسولها عليه الصلاة والسلام ، ونهجت الجهاد سبيلا للخلاص ، فحقق الله عز وجل على أيدي المجاهدين أعظم معجزة للأمة الإسلامة في القرون الثلاثة الأخيرة، وهو انتصارهم على أعتى قوة برية على وجه الأرض وطرد الروس من ديارهم ، لفت ذلك أنظار قوى الكفر في أرجاء الأرض ، وبدأت دول الكفر تمهد لإنهاء قضية أفغانستان عن طريق مؤتمر جنيف بشتى الوسائل لمحاولة منع وصول المجاهدين إلى دفة الحكم، وإقامة دولتهم الإسلامية ، وقد جاءت المؤتمرات تباعا، كان أولها تحديد وضع الدولة التي ستقام على أرض أفغانستان ، فذهبوا في أطروحاتهم إلى التفكير في شكل هذه الحكومة ، فتارة يقترحون أن تكون ذات قاعدة عريضة ، وتارة يرسمونها في خيالهم دولة محايدة ، وثالثة يتاجرون بورقة ظاهر شاه للضغط على أمراء الجهاد.
وفي كل مرة كان إمام الجهاد يتصدى لمثل هذه الترهات والمؤامرات بقلمه ولسانه فيفشلها ويسقطها بالتعاون مع إخوانه أمراء الجهاد ممن يلقبونهم بالأصوليين الذين بايعوا رب العالمين على إقامة دولة المسلمين .
ولقد فطن الإستعمار الإنجليزي إلى مؤامرة قديمة نبش عليها من داخل القبور وأخرجها من جديد، وهي محاولة إثارة مسألة الوهابية في محاولة لشق صفوف المجاهدين وإثارة الأفغان على إخوانهم العرب الذين جاءوا يشاركونهم المسيرة ، ويوم أن بدأت المؤامرات على الوجود العربي في ساحة الجهاد بأشكالها المختلفة وبدأ عالم الكفر يبث سموم الفرقة هنا وهناك وتحريض الأفغان على إخوانهم المجاهدين العرب من أنهم جاءوا ليفرضوا عليكم نظام الحكم الذي يريدونه بما يقدموه لكم من أموال ومساعدات، انبرى لها إمام الجهاد بقلمه ولسانه حتى انكشفت هذه الغمامة وزالت من فوق رؤوس المجاهدين .
ولقد كان آخر سهم أطلقه أعداء الله على هذا الجهاد قبل استشهاد إمام الجهاد هو محاولة إثارة النعرة القومية والعرقية ، فطلبوا من نجيب أن يشكل مجلسا باسم المصالحة الملية ، وحاول نجيب الله في هذا المجلس أن يثيرها حمية على العرب الذين يهاجمون كابل بالصورايخ ، فخاطبهم بقوله: (أنا أدعوكم أن يأتي ذلك اليوم الذي تأخذون فيه بثأركم وحميتكم من هؤلاء العرب).
وقد انبرى الشيخ الشهيد عزام لهذه الشبهة ورد عليها وبين خطر القومية على الجهاد الأفغاني في آخر محاضرة ألقاها في معهد أبي حنيفة قبل استشهاده بيومين أو ثلاثة ، وبدأت أخيرا المحاولات لإقناع العالم أن المجاهدين قد وصلوا إلى طريق مسدود ، وأن السلاح لن يحسم القضية ، ولابد من حل القضية سلميا عبر المحافل الدولية .
لم يعهد أعداء الإسلام عالما في القرن الأخير يقف مثل هذه المواقف الشجاعة أو يثبت مثل هذا الثبات ، لايكل ولايمل، فكلما تعرض الجهاد في أفغانستان إلى سهم يوجه إليه من قبل أعداء الله أو شبه تثار على الجهاد أو المجاهدين كان يتصدى لها الشهيد عزام بكل قوة وعزم يدفعها بما أوتي من قوة الحجة والبيان، فيطفىء نارها ويرد كيد أعداء الله إلى نحورهم .
وكلما عاود عالم الكفر النيل من هذا الجهاد فبنى بناءا لطعنه وضربه يقف في وجهه أمام الجهاد ويأتى عليه من القواعد ، فيقول أعداء الله لأجهزة مخابراتهم إذهبوا وانظروا وتابعوا هذا الرجل ولاحقوه، فينظرون إليه، ولأول وهلة يرجعون فيقولون إنه رجل كغيره من الرجال لا يزيد ولا ينقص، فيقولون لهم: ولكنه يعمل دائما على تدمير مخططاتنا، ولقد صدق قول الشاعر في هذا المقام:
وكم رجل يعد بألف رجل وكم ألف تمر بلا عداد
وأخيرا إن مما لاشك فيه أن إمام الجهاد كان بحق صوت الحق الناطق باسم الجهاد في العالم، فأراد أعداء الإسلام أن يسكتوا هذا الصوت ، ولما تحقق لهم أنه بمثابة ترس للجهاد الأفغاني ، وأنه مظلة واقية له من الأخطار الخارجية قرروا إسقاط هذا الترس حتى يستطيعوا النفاذ إلى قلب هذا الجهاد ويطعنوه الطعنة النجلاء .
لقد ضاق أعداء الجهاد بإمام الجهاد ذرعا بعد أن عجزوا وجها لوجه سواء كان في ساحة ميدان الجهاد أو عبر البيان والكلام ، فأجمعوا على تغييبه واغتياله عن طريق الأساليب الخبيثة ، وبهذا العمل اللئيم الجبان .
ولهذا تآمر عليه أعداء هذا الدين ورصدوا حركاته وسكناته ثم قاموا باغتياله وتفجير سيارته في أكبر شوارع بيشاور وفي وضح النهار.
لقد وصل الأمر - في ظني - أن تصبح دماء الشهيد عزام أجدى وأنفع للأمة الإسلامية من مداد قلمه فاختاره الله شهيدا ، وأخذ معه زهرتين من أفلاذ كبده (محمد وإبراهيم).